ابن عربي

348

الفتوحات المكية

فرددت وجهي إلى العجوز وقلت لها يا أم ألا تسمعين ما تقول هذه المرأة قالت وما تريد يا ولدي قلت قضاء حاجتها في هذا الوقت وحاجتي أن يأتي زوجها فقالت السمع والطاعة إني أبعث إليه بفاتحة الكتاب وأوصيها أن تجئ بزوج هذه المرأة وأنشأت فاتحة الكتاب فقرأتها وقرأت معها فعلمت مقامها عند قراءتها الفاتحة وذلك إنها تنشيها بقراءتها صورة مجسدة هوائية فتبعثها عند ذلك فلما أنشأتها صورة سمعتها تقول لها يا فاتحة الكتاب تروحي إلى شريش وتجيئني بزوج هذه المرأة ولا تتركيه حتى تجئ به فلم يلبث إلا قدر مسافة الطريق من مجيئه فوصل إلى أهله وكانت تضرب بالدف وتفرح فكنت أقول لها في ذلك فتقول لي إني أفرح به حيث اعتنى بي وجعلني من أوليائه واصطنعني لنفسه ومن أنا حتى يختارني هذا السيد على أبناء جنسي وعزة صاحبي لقد يغار على غيرة ما أصفها ما ألتفت إلى شئ باعتماد عليه عن غفلة إلا أصابني ببلاء في ذلك الذي التفت إليه ثم أرتني عجائب من ذلك فما زلت أخدمها بنفسي وبنيت لها بيتا من قصب بيدي على قدر قامتها فما زالت فيه حتى درجت وكانت تقول لي أنا أمك الإلهية ونور أمك الترابية وإذا جاءت والدتي إلى زيارتها تقول لها يا نور هذا ولدي وهو أبوك فبريه ولا تعقيه أخبرنا يونس بن يحيى بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة قال أخبرنا أبو بكر بن الغزال قال أخبرنا أبو الفضل بن أحمد قال أخبرنا أحمد بن عبد الله قال حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال حدثنا محمد ابن إبراهيم المذكر حدثنا محمد بن يزيد قال سمعت ذا النون يقول خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام فبينا أنا أطوف إذ أنا بشخص متعلق بأستار الكعبة وإذا هو يبكي ويقول في بكائه كتمت بلائي من غيرك وبحت بسري إليك واشتغلت بك عمن سواك عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك ثم أنشأ يقول ذوقتني طعم الوصال فزدتني شوقا إليك مخامر الأحشاء ثم أقبل يخاطب نفسه فقال أمهلك فما ارعويت وستر عليك فما استحييت وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت ثم قال عزيزي مالي إذا قمت بين يديك ألقيت على النعاس ومنعتني حلاوة مناجاتك لم قرة عيني لمة ثم أنشأ يقول روعت قلبي بالفراق فلم أجد * شيئا أمر من الفراق وأوجعا حسب الفراق بأن يفرق بيننا * ولطالما ما قد كنت منه مروعا قال ذو النون فأتيت إليه فإذا به امرأة ( حكاية ) محب أذاع سر محبوبه أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف حدثنا عبد الرحمن بن علي أخبرنا المحمدان بن ناصر وابن عبد الباقي وحدثني أيضا عنهما يونس بن يحيى قالا أخبرنا حمد بن أحمد أخبرنا أحمد بن عبد الله حدثنا أحمد بن محمد المتوكلي حدثنا أحمد بن علي بن ثابت أخبرنا علي بن القاسم الشاهد قال سمعت أحمد بن محمد بن عيسى الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول كان شاب يحضر مجلس ذي النون المصري مدة ثم انقطع عنه زمانا ثم حضر عنده وقد اصفر لونه ونحل جسمه وظهرت آثار العبادة عليه والاجتهاد فقال له ذو النون يا فتى ما الذي أكسبك خدمة مولاك واجتهادك من المواهب التي منحك بها ووهبها لك واختصك بها فقال الفتى يا أستاذ وهل رأيت عبدا اصطنعه مولاه من بين عبيده واصطفاه وأعطاه مفاتيح الخزائن ثم أسر إليه سرا أيحسن أن يفشي ذلك السر ثم أنشأ يقول من سارروه فأبدى السر مجتهدا * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وباعدوه فلم يسعد بقربهم * وأبدلوه من الإيناس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرهم * حاشى ودادهم من ذلكم حاشا يقول لا يصح لاجتهاد في سر المحبوب المحب بل ينتظر أمر محبوبه فإن أمره بإذاعته أذاعه وإن لم فالأصل الكتمان ولقد منحني الله سرا من أسراره بمدينة فاس سنة أربع وتسعين وخمسمائة فأذعته فإني ما علمت أنه من الأسرار التي لا تذاع فعوتبت فيه من المحبوب فلم يكن لي جواب إلا السكوت إلا أني قلت له تول أنت أمر ذلك فيمن أودعته إياه إن كانت لك غيرة عليه فإنك تقدر ولا أقدر وكنت قد أودعته نحوا من ثمانية عشر رجلا فقال لي أنا أتولي ذلك ثم أخبرني أنه سله من صدورهم وسلبهم إياه وأنا بسبتة فقلت لصاحبي عبد الله الخادم إن الله أخبرني أنه فعل كذا وكذا فقم بنا نسافر إلى مدينة